فخر الدين الرازي

112

تفسير الرازي

معتبرا في جواز التيمم ، فعند فقدان هذا الشرط وجب أن لا يجوز التيمم ، وهو أيضا قول ابن عباس . وكان يقول : لو شاء الله لابتلاه بأشد من ذلك . ودليل الفقهاء أنه تعالى جوز التيمم للمريض إذا لم يجد الماء ، وليس فيه دلالة على منعه من التيمم عند وجوده ، ثم قد دلت السنة على جوازه ، ويؤيده ما روي عن بعض الصحابة أنه أصابته جنابة كان به جراحة عظيمة ، فسأل بعضهم فأمره بالاغتسال ، فلما اغتسل مات ، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : قتلوه قتلهم الله ، فدل ذلك على جواز ما ذكرناه . السبب الثاني : السفر : والآية تدل على أن المسافر إذا لم يجد الماء تيمم ، طال سفره أو قصر لهذه الآية . السبب الثالث : قوله : * ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) * والغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان . وكان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطاً من الأرض يحجبه عن أعين الناس ، ثم سمي الحدث بهذا الاسم تسمية للشيء باسم مكانه . السبب الرابع : قوله : * ( أو لامستم النساء ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : * ( لمستم ) * بغير ألف من اللمس ، والباقون * ( لامستم ) * بالألف من الملامسة . المسألة الثانية : اختلف المفسرون في اللمس المذكور ههنا على قولين : أحدهما : أن المراد به الجماع ، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ، وقول أبي حنيفة رضي الله عنه ، لأن اللمس باليد لا ينقض الطهارة . والثاني : أن المراد باللمس ههنا التقاء البشرتين ، سواء كان بجماع أو غيره وهو قول ابن مسعود وابن عمر والشعبي والنخعي وقول الشافعي رضي الله عنه . واعلم أن هذا القول أرجح من الأول ، وذلك لأن إحدى القراءتين هي قوله تعالى : * ( أو لمستم النساء ) * واللمس حقيقته المس باليد ، فأما تخصيصه بالجماع فذاك مجاز ، والأصل حمل الكلام على حقيقته . وأما القراءة الثانية وهي قوله : * ( أو لامستم ) * فهو مفاعلة من اللمس ، وذلك ليس حقيقة في الجماع أيضاً ، بل يجب حمله على حقيقته أيضاً ، لئلا يقع التناقض بين المفهوم من القراءتين المتواترتين واحتج من قال : المراد باللمس الجماع ، بأن لفظ اللمس والمس وردا في القرآن بمعنى الجماع ، قال تعالى : * ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ) * ( البقرة : 37 ) وقال في آية الظهار : * ( فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ) * ( المجادلة : 3 ) وعن ابن عباس أنه قال : إن الله حيي كريم يعف ويكني ، فعبر عن المباشرة بالملامسة . وأيضا الحدث نوعان : الأصغر ، وهو المراد بقوله : * ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) * فلو حملنا قوله : * ( أو لامستم النساء ) *